كيف نتحاور؟ هل هم “الزومبي” وإحنا براد بيت؟

في أثناء عملي مديرة مشروعات في إحدى شركات البرمجيات، كُلفت إدارة مشروع في جهة حكومية كبرى، كنا على وشك فقده؛ كان العميل “صعباً”، كما وصفه رئيس الشركة. قابلت المهندسة التي يشكو الجميع من تشددها وتعقيدها لكل الأمور، عُدت وقد أقنعتها بكثير مما كانت ترفض الاقتناع به، وكُلفت بعدها مسؤولية التواصل معها فيما يخص المشروع كاملاً حتى الأمور غير الفنية. سألتني زميلتي “اللدود” ما الوصفة السحرية التي أتبعتُها؟ لم يكن في الأمر سِحراً. كل ما في الأمر أني اجتهدت لأفهمها.

محوت من ذهني كل ما سمعتُه عنها من زملائي، استمعت لما قالته بتركيز لأتفهَّم أسبابها،. أنصت وهي تعدد أخطاء وقعنا فيها فعلاً أو تظن خطأً أننا تسببنا فيها. فهمت أنها فقدت الثقة بنا وكان عليَّ استعادتها. لم أنفِ أي خطأ حقيقي من جانبنا أو أبرره وتحملت المسؤولية عنه بلا مواربة وعرضت عليها خطوات تضمن عدم تكراره.. أوضحت لها ما التُبس عليها دون هجوم، ملتمسة لها الأعذار. خرجت من الاجتماع وقد اكتسبت ثقتها بشخصي فنياً وأخلاقياً. تعددت لقاءاتنا بعدها وسار المشروع بطريقة أفضل، تطلبت أحياناً عراكاً داخلياً بالشركة لأفي بوعودي لها ولا أفقد ثقتها.

تذكرت تلك القصة القديمة وأنا أستمع إلى “روب ويلار” في محاضرة تيد “كيف نتحاور أفضل؟” يشرح فيها كيف يمكن إجراء حوار مثمر مع من نختلف معهم جذرياً، من خلال تجارب علمية تم إجراؤها في هذا الصدد. يقول ويلار إن الانقسامات الداخلية العميقة في كثير من دول العالم الآن تشبه أفلام محاربة الزومبي، يرى كل طرف نفسه “براد بيت” والمخالفين له هم “الزومبي”.

كل طرف يلصق بالآخر عناوين مهينة وسطحية دون تعمق في أسباب الخلاف الحقيقية.

في القصة التي سردتها أول المقال، كان زملائي يتعاملون مع السيدة على أنها “موظفة حكومة مبتفهمش!”، وكانت هي تشعر بتعاليهم وتتعامل معهم على أنهم “نصابون”. مع اعتذاري لجميع الأطراف؛ تلك هي الحقيقة التي كنت أراها في زلة لسان هنا أو تعليق هناك. كل طرف كان يرى أن “هما الزومبي وإحنا براد بيت”، كما قال ويلار!

عندما نتبادل التصورات السلبية بعضنا عن بعض؛ عندما يتحدث كل منا بلغة لا يستوعبها الآخر؛ عندما يُفحمه بما يظنه “مسلمات” بينما لا يؤمن بها الآخر أصلاً؛ فكيف يمكن أن نتعايش أو نقوم بعمل مشترك وننجح فيه؟!

في كل قضية خلافية كقضية حق الولاية للمرأة التي جددت الصراع -كالعادة- على شبكات التواصل بين المتدينين والمتحررين، دافع كل طرف عن وجهة نظره من خلال القيم “الأهم” عنده، متصوراً أن حججه كافية لإقناع “أصحاب العقول”، لكنهم لا يقتنعون؛ لأنهم “منحلون، مفسدون، عصاة” أو “متشددون، قساة، أغبياء”، وهي تنويعات لكلمات ويلار نفسها “هما زومبي وإحنا براد بيت!”.

مسائل حقوق المرأة والحريات الشخصية، سيظل الكثير منها ملتبساً وبلا ظهير شعبي حقيقي ما دام من يؤمنون بها يدْعون إليها “بلغتهم” ويستخدمون حججاً يرونها مقنعة، فإذا لم تُقنع فمعروف طبعاً السبب؛ لأنهم” زومبي وإحنا براد بيت!”.

لكل منا أسبابه في اعتناق قيم معينة وإعطائها أولوية وعدم الاهتمام بأخرى أو وضْعها في مراتب أقل. لا يتخلى الناس عن قيمهم بسهولة؛ فهي جزء من تكوينهم النفسي، ولا يمكن أن نتفق جميعاً على ترتيب القيم الإنسانية الترتيب نفسه.

لنعيش معاً في سلام، علينا الاجتهاد لفهم ما يؤمن به الآخر ويهتم به، وأن نحترمه ونحاول فهمه بعيداً عن “الكليشيهات” السطحية.

تنمية مهارات الحوار والإقناع ضرورة من ضرورات النجاح في الحياة على كل الأصعدة العملية والشخصية. فعلى قدر مهارتك في فهم الآخرين، على قدر نجاح علاقاتك.

خلقنا الله مختلفين؛ لنتعارف ونتعلم ما لا يمكن أن نتعلمه إلا بالاختلاف. فدعونا نتفق على أن نختلف بوعي ودون تسفيه؛ فهم ليسوا الزومبي ولسنا براد بيت!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.