هل تضيعنا الأزمات؟ أم تصنعنا؟

“وين داير” من أشهر أساتذة الإدارة ومن رواد تحسين المهارات الشخصية، شخص ناجح ومرموق عاش حياة ناجحة أسطورية يشار لها بالبنان. فكيف وصل وين داير لهذه المكانة؟ وهل كان طريقه ممهد بالورود؟ أم حافلاً بالأشواك؟

نشأ وين في ظروف قاسية جداً،عانى من الفقر المدقع، ومن تهرب والده من مسئولياته كرب أسرة، تاركاً العبء على كاهل الأم وحدها. لم تستطع الأم الشابة أن تعمل وتعول 4 أطفالفي نفس الوقت فأودعته هو وأشقائه الثلاث في الملجأ حتى بلغ العاشرة من عمره ثم عادوا للعيش معها بعد أن تحسنت أحوالها بعض الشيء.

ظلت الأم في معاناة مما إنعكس على تعاملها مع الأبناء ووجد وين نفسه مسئولاً عن الحفاظ على الحالة النفسية له ولإخوته ولأمه وكان ذلك سبب في إتقانه فن التحفيز ورفع الروح المعنوية كمهارة مكتسبة من الظروف الصعبة التي عاصرها، فالحاجة أم الإختراع كما يقولون.

في المدرسة الثانوية واجه مشكلات مع بعض الأساتذة بسبب عدم إنصياعه للأساليب التقليدية ولإمتلاكه طريقة تفكير مختلفة لم يتقبلها الكثيرين منهم.

ومع ذلك نجح في إجتياز المرحة الثانوية وإلتحق بالبحرية الأمريكية ليحصل على راتب مضمون، وإستطاع في هذه الفترة أن يوازن بين إتباع القوانين والقواعد الصارمة والحفاظ على تفرده كشخص مختلف التفكير وقد أفاد من هذه الفترة في إدخار ما سمح له بأن يكمل تعليمه الجامعي بتفوق ثم العمل لاحقاً كأستاذ جامعي.

يقول وين أنه في مرحلة المدرسة الثانوية وفترة إلتحاقه بالبحرية كان يسعى لنيل الإعجاب بالحصول على درجات مرتفعة وجوائز أوغيرها من الإنجازات التي كانت تثبت لمن حوله أنه شخص ناجح ومميز.

من أهم المحطات في حياة وين كما يقول رحلته إلي ولاية أخرى لزيارة قبر والده الذي لم يره أبداً والذي هجره قبل أن يولد وفي هذه الزيارة غفر وين لأبيه ما فعله ويقول أنه قد إكتسب حريته بعد هذه الزيارة وقرر أن يسعى وراء أحلامه مهما كلفه الأمر وأن تكون السعادة هي هدفه. فلا يستطيع الانسان ان يتقدم وينجح وهو يحمل عبء كراهية وماضٍ بغيض إلى نفسه.

مع مرور السنوات أدرك وين أن الإهتمام بإعجاب الناس يُملكهم أمره ويجعل عمله محدود يهدف إلى إرضاء الاخرين وليس نفسه. كان ذلك الإكتشاف سبب لتغيير جذري فتح له أبواب المجد الحقيقية ليتحول من إنسان ناجح في أعين الناس، إلى شخصية إستثنائية.

فجروء على تقديم مفاهيم إدارية جديدة عن القيادة والإدارة وألف كتب عديدة تشرح فلسفته الخاصة . يذكر وين إن هذه الصحوة والتغير الذي حدث له بدأ يوم إغتيال “جون كنيدي” حيث سمع الخبر وهو يقود سيارته ووجد نفسه يأخذ جانب الطريق ويتوقف بالسيارة واجماً رغم أنه لم يكن مهتم كثيراً بالسياسة، يقول وين ان هناك حالة من الحزن العميق غطت على الجميع حتى أنه رآها في عيون كل من حوله.

يقول وين ان إغتيال كنيدي وما كان يمثله من دعوة للتغيير كان سبب في أن يعيد النظر في حياته كلها بل يظن وين ان لولا إغتيال كنيدي ما لقت حركة حقوق الانسان ما لقته من إهتمام وتطور في أمريكا.

كانت مهارات القيادة موجودة عند وين بالفطرة ففي أثناء دراسته كطالب في الجامعة ثم عمله كأستاذ جامعي كان يلاحظ زملاؤه –طلبة وأساتذة- الذين يعملون من باب تأدية للواجب أو من أجل المال فقط مما يجعل الدراسة شيء ممل خالِ من الروح وكان يندهش من ذلك فالبنسبة له كان الأمر مختلف تماماً وتعهد بينه وبين نفسه أنه متى إتيحت له فرصة الوقوف أمام جمع من الناس أن يبذل دائماً جهده ليكسب إنتباه وقلوب من يسمعونه وأن يؤثر فيهم ويقنعهم بما يشرحه.

كان لوين عقليته الخاصة وكان ممن يسيرون وراء قلوبهم وما تهمس لهم به، فألف كتب غير أكاديمية موجهة للعامة وهو الأستاذ الجامعي البارع. بعد أن إنتهى من طباعة كتابه الأول قام بشراء كل النسخ ووضعها في شاحنة وقام بتسويقها بنفسه على عكس نصيحة الناشر وتم إستضافته في العديد من البرامج التليفزيونية وفي وقت قصير ليصبح أشهر أستاذ جامعي في أمريكا كلها.

كان الكتاب الأول وطريقة توزيعه وتسويقه مغامرة لوين تحمل فيها مخاوف الفشل بعد ترك العمل الجامعي والأجر الثابت و تكبد كل التكاليف اللازمة للتسويق والسفر ليتبع حلمه وينفذه بالطريقة التي آمن بها وقد نجح نجاح ساحق جعل الناشر يترك له زمام الأمر في كتابه الثاني فقام الناشر بتحمل كل التكاليف هذه المرة.

في كتابه الثاني كان الإلهام لوين تفكره في حياة ألفيس بريسلي المضطربة ووفاته الدرامية منتحراً في سن صغيرة فأراد أن يكتب رسالة أمل لكل اليأسين من الحياة يدعوهم ألا يقنعوا بدور الضحية وألا يستسلموا للظروف مهما كانت قاسية.

نجح الكتاب الثاني وبدا لوين أن العالم متعطش لكلماته وحكمته وقدراته الإستثنائية على التحفيز وبث الأمل في الناس وحثهم على رفض الظروف السيئة المحيطة بهم والإنتصار عليها. فما كان الناس يتعاملون معه كقدر محتوم كان وين يرفضه ويصر على أن الإنسان قادر بإرادته على أن يشق طريقه إلي السعادة مهما كانت ظروفه صعبة.

كان محور فلسفة وين إعمل وإبذل جهدك فيما أنت شغوف به تنجح نجاح باهر وكانت حياته تطبيق عملي لذلك.

أمن بأن الأفكار قادرة على صنع المعجزات وأن الإنسان يستطيع شفاء نفسه من الأمراض كلها بما فيها الجسدية بالأمل والتفاؤل وكان يستدل على ذلك بحقيقة أن الجسم يتأثر سلبياً إذا كانت الحالة النفسية سيئة وبالتالي وعلي نفس القياس يمكن إذا معالجة الجسد ومواجهة المرض بالحالة النفسية الطيبة.

صدق وين ما يقول، فصدقه الواقع. وعندما مرض في 2009 بسرطان الدم أخبره الأطباء أن أيامه في الدنيا معدودة وانه يعيش أيامه الأخيرة. لم يقبل وين ذلك وعاش يعمل ويكد ويخاطب الناس ويعلمهم حتى أغسطس 2015 ليموت بأزمة قلبية وعمره يناهز الخامسة والسبعين، وقد أذهل أطباؤه، وترك خلفه ميراث كبير من الحكمة والمعرفة التي لا تقدر بثمن لتشهد له أنه من القلة أصحاب الرسالات المعلمين.

لو سألتني ما الذي يميز وين داير؟ أقول لك أنه كان إنسان “حقيقي” .. غير مدعي، لا يفعل إلا ما يمليه عليه قلبه وإن أفتاه الناس وأفتوه وما أندر هؤلاء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.