كيف إستحق إيدهي لقب أشهر فاعل خير؟

إنتحبت كراتشي ليلة أمس وبات فقراء باكستان يلفهم حزن دامس أكثر حلكة من الظلام الروتيني الذي تعودوا عليه لضعف شبكة الكهرباء، فقد أفل نجم واحداً ممن كرسوا عمرهم لخدمتهم، رحل “عبد الستار أديهي” مؤسس أكبر هيئة لتقديم خدمات التأمين الصحي المجاني للفقراء في باكستان “مؤسسة أديهى” ، عن عمر يناهز 92 عاماً، بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض.

عاش عبدالستار كنموذجٍ لعطاءِ فريد لا يتكرر، فقد كرس عمره كله لفعل الخير، وشيد صرح للخدمات الصحية للفقراء،ولم يترك لورثته أي ممتلكات ولو حتى بيتاً !

عاش حياة متواضعة جداً وبسيطة، كما أوصى أن يتم التبرع بأعضاء جسمه بعد وفاته لكن تدهور حالته الصحية وإنهيار أجهزة جسمه حال دون تطبيق وصيته.

سجل عبد الستار قصة حياته في كتاب “مِرآةٌ للأعمي”،ويسرد فيه مروره بتجربة قاسية عانت فيها والدته من إصابتها بالشلل وبعض الإضطرابات النفسية، وعجزت أسرته الفقيرة توفير العلاج المناسب لها. وكانت تلك الواقعة سبب في تكريس الشاب حياته لحلم توفير الخدمات الصحية المجانية للفقراء الذين لا يملكون تكاليف العلاج.

بدأ الحلم بسيارة إسعاف واحدة إشتراها عام 1951 بالوقوف في مناطق كراتشي الشعبية وجمع التبرعات، وتوفي أمس وقد ترك مؤسسة تعد من أكبر المؤسات الطبية في العالم حيث يعمل بها 1500 عربة إسعاف، وطائرتان مجهزتان طبياً، وشيد عشرات من مراكز رعاية الأمومة، وملاجيء الأيتام،ودور المسنين وكلها تقدم خدماتها مجاناً، معتمدة على التبرعات في تمويلها.

نال عبدالستار تقدير العالم كرجل خير أفنى عمره في خدمة الفقراء ، فتم ترشيحه عدة مرات لنيل جائزة نوبل كان آخرها هذا العام، لكن حصلت عليها ملالا يوسف التي كانت على قائمة الترشيح لنفس العام.

رحل عبد الستار أديهى تاركاً لنا قصة نجاح “حقيقية” ملهمة يشار لها بالبنان، فقد أنشأ هذا الصرح وحده تماماً خالصاً للفقراء ولم يجن هو أو أسرته أي ثراءً من خلفه، بدأ بالحلم ومات متدثراً بالحلم، موصياً بأن يكفن ويدفن في ثيابه التي يرتديها.

تتعدد تعريفات النجاح وسبله، ولايستحق كل نجاحٍ أن يفني الإنسان فيه عمره أو يلهث وراءه. بل إن بعض النجاح ربما كان فشلاً لمباديء الإنسان، أو مدمراً لروحه.
الأحلام التي تستحق فعلاً تلهمك بالإشعال الذاتي لحماسك وطاقتك، يوهب لك فيها عزم ألفٍ برغم أنك تقف وحيداً تغمض عينيك أمام وهجها منبهراً وتحمل هم طريقها الطويل وتنتابك هواجس السقوط قبل الوصول!

لكن تلك الشعلة المباركة في قلبك تبقي الحلم حياً، وتؤكد لك أنك ستنير العالم بنورك وتؤدي رسالتك، برغم ما يعتريك من شكوك، ويثقل كاهلك من عقبات.

كٌتبت في يوليو 2016

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.