لماذا يفشل “الموهبون” في الحياة الشخصية؟!

kids support

كم مرة قابلت شخصاً عرفته متفوقاً في دراسته ليدهشك فشله في الحياة العملية أو نجاحه فيها وفشله في حياته الشخصية؟!

كم مرة أدهشك إقترابك ممن كنت ترمقه بكل إعجاب وإنبهار ليفاجئك كم التعاسة التي يتجرعها كل يوم وأنه “فاشل” وإن ظن البعيدون عنه عكس ذلك؟!

لماذا يفشل كثير من “الموهوبين” علمياً أو عملياُ في الحياة الشخصية والعلاقات الإنسانية؟

السبب الرئيسي هو أن المهارات التي تكفل للإنسان النجاح العلمي والعملي ليست ذاتها ما تعينه على تكوين علاقات طيبة والنجاح في الحياة الشخصية.

الإختبارات الدراسية لا تقيس أهم المهارات اللازمة للنجاح في الحياة. لا تقيس قدرة الطالب أو مهارته في التفكير النقدي، أو التعاون، لا تزكي فيه الفضول للمعرفة وحب التعلم. ليس هناك مادة دراسية تشرح له كيف يكون إنسان “محترم” وكيف يحترم غيره؟ كيف يعطي بطريقة متوازنة؟ كيف ينمي مشاعر الرأفة بمن حوله؟ كيف يعبر عن حبه للآخرين بطريقة صحية؟

لا يدرس أولادنا في المدرسة مهارات الذكاء العاطفي والإجتماعي، أو الأمانة والنزاهة، أو الإنفتاح الفكري، أو روح المبادرة. كل تلك المهارات لا تدرس في مناهج دراسية ولا يختبر الانسان فيها!

يتعلمها الشخص من بيئته وأسرته بالدرجة الأولى، وعلى قدر ما يعيش من تجارب وينشأ في منظومة صالحة ويرى نماذج لعلاقات طيبة يتعلم كيف يؤسس مثلها وكيف يديرها ويحافظ عليها وبقدر نجاحه في ذلك يكون نجاحه في حياته الشخصية.

المشكلة اننا كثيرا ما نولي النجاح الدراسي او العملي كل التركيز ونهمل تماماً الجانب الحياتي وأهمية رعاية أولادنا بما يخلق منهم شخصيات قوية قادرة على التعامل مع الحياة بنجاح وبأسلوب صحيح ومتوازن.

هناك الكثير مما يجب أن يركز عليه الأبوين لبناء شخصية قوية، منها عوامل داخلية يجب تنميتها في الطفل منذ الصغر وأخرى خارجية يجب توفير للطفل فرصة أن “يراها” في أهله فيقتدي بهم ويتعلم منهم.

أشارككم في هذا المقال بعض من العوامل “الداخلية” التي تساعد على أن ينشأ أبنك/أبنتك صاحب شخصية سوية قوية.

أولى هذه العوامل أن تلفت نظره إلى أهمية مساعدة الآخرين. شجع ابنك على الإحسان ومساعدة من حوله سواء من أهله أو جيرانه أو أصدقاؤه، وشجعه على الإشتراك في أنشطة تطوعية، أثن على إهتمامه بمن حوله وإحسانه إليهم. فالثناء من أكبر ما يعزز القيم الإيجابية في النفس. الشخص الأناني الذي لا يفكر إلا في نفسه ممقوت من كل من حوله.

تعزيز قيم المساواة والعدل بداخله. احرص على تعليمه أن يتبرع بما يزيد عن إستخدامه وحاجاته ولا زال بحالة جيدة لمن يحتاجها، تحدث معه عن العطاء ومعناه  وأثره على المجتمع وما يعود عليه هو شخصيا من ذلك. فمن يعيشون في بروج عاجية منفصلون عن الواقع يفيقون على مرارته ولو بعد حين.

حثه على الإلتزام بالنزاهة : أن يتصرف دائماً بنزاهة ويدافع عن مبادؤه. أن يكون أميناً مع نفسه ويلتزم بالقيم والأخلاق ويصمد أمام الإختبارات وفي الإحتكاكات مع زملاؤه وأن تكون داعماً له فيها. الإنسان الذي يستحل كل الطرق في سبيل تحقيق أهدافه “فاشل” وإن حققها ، فالصراع النفسي من سوء الطوية وما في النفس من خبث كفيل بمحو أي نفع للنجاح الغير أخلاقى!

تعويده على الصدق حتى وأن كان “صعباً”. لا تسأله أسئلة تعرف إجابتها حتى لا تدفعه للكذب، عش كمثال للصدق والأمانة، فيراك ترد ما أعطاه لك البائع بالخطأ، وأن يرى فيك نموذج للأمانة وعدم إستغلال المواقف، الإعتراف بالخطأ والاعتذار والتعويض عنه بلا تبرير. ألفت نظره لما في الإعلانات من كذب ولماذا يكذب المعلنون؟ عندما يصارحك ابنك بما تكره، أمدح صدقه وأمانته حتى لو كرهت ما صرح لك به. تذكر أن الكذب يحدث مخافة أن يناله عقاب وأذى إن صدقك القول. إذا كذب عليك ابنك قل له ان من الصعب عليك تصديق ما قال وأساله هل حدث شيء تخاف من أن تخبرني عنه؟ من المخجل أن تجد شخصا “كبيراً” يحترف الكذب بسبب وبدون سبب، ولا مبرر لذلك إلا أنه من شب على شيء شاب عليه، ويدفع هؤلاء ثمن هذا السلوك المعوج إحتقاراً ممن حولهم ويعانون شعوراً بالدونية لا يمحوه أي نجاح!

تشجيعه على تحمل المسئولية: لا تحاول تجنيب ابنك عواقب قرارته، اتركه يخطيء ويدفع ثمن أخطاؤه، وإذا أنقذته عليك تعريفه بما أخفق في تحمل مسئوليته، علمه كيف تأخذ قرارتك بشراء شيء أو عدم شراؤه. إذا طلب شراء حيوان أليف مثلاً أطلب منه أن يقرأ ويعرف ماذا سيترتب علي ذلك من مسئوليات عليه القيام بها. من لا يتحمل المسئولية يرضى بأن يكون تابعاً لآخر يتحملها عنه، أو يعيش حياته فاراً من مواجهاتها معقداً كل مشكلة تافهة، محولاً لها إلى مأساة لمجرد نكوصه عن تحمل مسئولياته.

تدريبه على التحكم في النفس: أن يفهم أهمية إمتناعه عن كل ما يضره وضرورة التحكم في رغباته وعدم الإنسياق وراء كل ما يعن له ويرغب فيه. ومن المهم أن يثق بك ومن قبولك له حتى وإن وقع في خطأ كبير يثق أن بإمكانه اللجوء إليك للمساعدة. انتهز كل فرصة لتعليم أولادك ما يصح وما لايصح أثناء مشاهدة الأفلام مثلا وتعليقاً على أحداثها، أو مناقشة خبر أو قضية شهيرة ..إلخ. فمن لا يملك زمام نفسه لا يعرف إستقرار نفسي، فهو أدرى الناس بعجزه وإن أدعى خلاف ذلك.

تعزيز قدراته على المقاومة: أن يستطيع ابنك التصدي لضغوط أقرانه وتجنب الإنسياق لتصرفات خطيرة إنصياعاً لهم . عرفه ان الانخراط في انشطة سلبية والانسياق لضغوط زملاؤه ينم عن ضعفه لا قوته. علمه أن يفكر “لنفسه” وأن يعتز بأفكاره ومبادئه ولا يغيرها ليرضي غيره. علمه مهارات المقاومة الغير عنيفة كترك المكان والإنسحاب، والحزم في الرفض، واللجوء إلى طرف ثالث أكثر إتزاناً. علمه أن من يحضه على فعل شيء يعرف تماماً أنه خطأ لا يستحق أن يكون صديقاً له ، شاركه قصص من حياتك تركت فيها أصدقاء سوء وتخلصت منهم. أمدح سلوكه الحميدة وعزز ثقته بنفسه وحسن تفكيره وتميزه.

تعليمه مهارات حل الخلافات سلميا: علم ابنك أن يسعى لحل النزاعات بلا تصعيد. فكن قدوة في العفو والتسامح، علمه كيف يعتذر، كيف يشرح ما حدث بصدق، وكيف يتفاوض على حلول مرضية. لا تتعامل مع عنف الصغار على أنه أمر مألوف.

تعزيز الرغبة في النجاح والإنجاز:  تنمو الرغبة في الإنجاز “بالمدح” وأفضله ما كان مفاجيء وبلا توقع وبعد الإنجاز. فأن تفاجئه بنزهة أو هدية “بعد” تفوقه في إختبار مثلاً أفضل من أن تعده بنزهة أو هدية إذا تفوق. علم ابنك أن يضع لنفسه أهداف وأحرص على أن تكون واقعية وقابلة للتحقق لتمنحه الثقة بنفسه. كن منتبهاً إلى درجة الضغوط الواقعة على ابنك المراهق، بعض المراهقين يأخذون المنافسة الشديدة على عاتقهم بدرجة زائدة وبعضهم على النقيض من ذلك ينظر إلى الدراسة على أنها عبء بلا جدوى. أحرص على أن يكون جهده الدراسي في حدود متوازنة وأن يفهم أن الدراسة من أهم ما يحدد مستقبل حياته لكنها ليست “كل” شيء.

في المقال القادم أستكمل إن شاء الله مقومات تأسيس الشخصية القوية وأشارككم أربع كتب للتربية أنصح بالإطلاع عليها.

سهى جاد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.